الأداء المالي للبنوك اليمنية وتحديات تطبيق المعايير الدولية على المراكز المالية للشركات والمؤسسات في ظل الأوضاع الحالية في اليمن

انشىء من قبل Talent & Performance Section في المالية 13/01/2026
شارك

مقدمة .. القوائم المالية في الاقتصاد اليمني يُعد منقسم .. هل ما زالت تعكس الحقيقة؟

تُفترض عند إعداد القوائم المالية .. تتم وفق المنهج المحاسبي الحديث والمعايير المعترف بها دولياً وعلى أن تكون مرآة محايدة تعكس الواقع الاقتصادي للمؤسسات، وتمكّن الجهات الرقابية والمستثمرين من تقييم الأداء والمخاطر بصورة عادلة. غير أن هذه الفرضية تصبح موضع تساؤل عميق عندما تعمل المؤسسات المصرفية داخل اقتصاد منقسم نقدياً .. وتتباين فيه القيم الحقيقية للعملة، وأنماط توليد الدخل، ومخاطر السيولة، بين مناطق جغرافية واحدة خاضعة لسياسات نقدية مختلفة.

في الحالة اليمنية، لم يعد الانقسام النقدي مسألة مؤقتة أو تشوهاً عابراً، بل أصبح واقعاً هيكلياً يفرض نفسه على كل مفصل من مفاصل العمل المصرفي .. ومع ذلك، ما تزال بعض المعالجات التنظيمية والمحاسبية تُبنى على افتراض وحدة نقدية غير موجودة فعلياً .. الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى سلامة تمثيل الأداء المالي للبنوك اليمنية .. خاصة عند تطبيق المعايير الدولية للتقارير المالية.

 

أولًا ..الانقسام النقدي كإطار تشغيلي لا كاستثناء

تعمل البنوك اليمنية اليوم ضمن بيئتين اقتصاديتين مختلفتين من حي:-

- سعر الصرف.

- مستوى التضخم.

- قابلية تداول العملة.

- سلوك العملاء النقدي والمصرفي.

في إحدى البيئتين، يتم تداول كتلة نقدية كبيرة نسبياً في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة .. مع استقرار نسبي في سعر الصرف وانكماش في المعروض النقدي .. وفي بيئة أخرى، يواجه الريال تدهوراً مستمراً خلال الفترة الماضية أو بالأصح خبال الأشهر التي مضت من عام ٢٠٢٥م في قيمتها، مصحوباً بتوسع نقدي وتضخم مرتفع .. هذا التباين لا ينعكس فقط على الأسعار، بل على القيمة الاقتصادية للريال ذاته، وعلى كيفية تسعير المنتجات المصرفية، وتقييم المخاطر، وإدارة السيولة.

التعامل مع هذا الواقع كما لو كان مجرد اختلاف في “سعر الصرف” يمثل تبسيطاً مخلاً .. لأن ما يجري فعلياً هو اختلاف في البيئة الاقتصادية الأساسية التي تُولد فيها التدفقات النقدية.


ثانياً .. القرارات التنظيمية بين الضرورة والمخاطر غير المقصودة

اتجه البنك المركزي في عدن إلى تبني حزمة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز متانة القطاع المصرفي خلال الفترة الاخيرة .. من أبرزها:-

- اعتماد سعر صرف السوق في إعداد القوائم المالية.

- رفع الحد الأدنى لرأس المال.

- إلزام البنوك بنقل مقراتها الرئيسية.

هذه الإجراءات تنسجم نظرياً مع مبادئ الحوكمة المصرفية الدولية، لكنها حين تُطبق في بيئة نقدية مزدوجة دون إطار محاسبي ملائم .. قد تُنتج آثاراً عكسية في غياب الرؤية الواضحة والاستراتيجيات المستقبلية فرفع متطلبات رأس المال أو إعادة تقييم الأصول باستخدام سعر صرف لا يعكس البيئة التشغيلية الفعلية للنشاط، قد يؤدي إلى تشويه المؤشرات المالية بدل تحسينها.

المشكلة هنا ليست في نية الإصلاح، بل في افتراض أن توحيد الأرقام سيقود تلقائياً إلى توحيد الواقع، وهو افتراض أثبتت التجارب الدولية هشاشته في الاقتصادات المنقسمة.

 

ثالثاً .. عملة القياس أم عملة العرض؟ 

جوهر الإشكال المحاسبي من أكثر الإشكالات تعقيداً في الحالة اليمنية الخلط بين مفهوم عملة القياس وعملة العرض .. فجزء كبير من العمليات المصرفية، بما في ذلك الودائع، والتمويلات، والمصروفات التشغيلية، يتم فعلياً في بيئة نقدية تختلف قيمتها الاقتصادية عن البيئة التي يُفرض فيها سعر العرض المحاسبي .. وذلك وفق المعايير الدولية، لا تُحدد عملة القياس بناءً على القرار التنظيمي أو العملة القانونية، بل بناءً على العملة التي:-

- تُسعّر بها الخدمات.

- تُدفع بها التكاليف.

- تُدار بها المخاطر الأساسية.

تجاهل هذا المبدأ يؤدي إلى افتراض ضمني بأن الريال في مختلف المناطق وحدة اقتصادية متجانسة، وهو افتراض لا يصمد أمام التحليل الاقتصادي، ويقود إلى قوائم مالية تعكس تنسيقًا شكليًا لا تمثيلًا عادلاً.

 

رابعاً .. رأس المال بين القيمة الدفترية والقيمة الاقتصادية

تمثل رؤوس أموال البنوك اليمنية إحدى أكثر القضايا حساسية في المرحلة الحالية .. فمعظم هذه الأموال تكوّنت تاريخياً في فترات سابقة، وفي بيئات نقدية كانت فيها للعملة قوة شرائية مختلفة جذرياً عمّا هي عليه اليوم في بعض المناطق .. وإعادة عرض رأس المال باستخدام سعر صرف مختلف لا يعني فقط تغيير رقم في الميزانية، بل قد يؤدي إلى إعادة توزيع غير مباشرة للقيمة الاقتصادية بين المساهمين والمعايير الدولية تصنف رأس المال المدفوع كبند غير نقدي، يُثبت بالقيمة التاريخية، ولا يُعاد تقييمه نتيجة تغيرات أسعار الصرف، وتجاهل هذا المبدأ يفتح الباب أمام نزاعات قانونية، ويضعف ثقة المساهمين، ويخلق حوافز سلبية لإعادة الرسملة، كما أظهرت تجارب دول مثل لبنان وفنزويلا والسودان بعد الاستقرار النسبي لها.

 

خامساً .. نتائج الأعمال بين الأداء الحقيقي والأثر المحاسبي

ينسحب نفس الإشكال على قياس الأرباح والخسائر .. فدمج إيرادات ومصروفات متحققة في بيئات نقدية مختلفة باستخدام سعر صرف واحد:

يخلط بين الأداء التشغيلي الحقيقي،

وبين فروقات ناتجة عن اختلاف عملة القياس .. وهذا الخلط قد يؤدي إلى إظهار أرباح “دفترية” غير مدعومة بتدفقات نقدية فعلية، أو إلى تحميل البنوك خسائر لا تعكس ضعفاً في نشاطها الأساسي .. وقد حذرت تقارير دولية من أن مثل هذه الممارسات تقوض قدرة القوائم المالية على دعم القرار الرقابي الرشيد.

 

سادساً .. السيولة والمخاطر التشغيلية والواقع غير المرئي في القوائم

من أخطر جوانب توحيد القوائم المالية افتراض قابلية تحويل السيولة بين المناطق، رغم القيود الفعلية على تداول العملة واختلاف الإصدارات النقدية .. هذا الافتراض قد يحملنا إلى قراءة بعض النقاط ومنها:-

- يجمّل مؤشرات السيولة.

- يخفي مخاطر تشغيلية حقيقية.

- يضعف قدرة الجهات الرقابية على تقييم قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها في كل بيئة على حدة.

مبادئ لجنة بازل تؤكد أن مخاطر السيولة يجب تقييمها ضمن سياقها التشغيلي والجغرافي، لا كمؤشرات مجمعة مجردة من الواقع.

 

سابعاً .. المعايير الدولية كإطار مرن لا كقالب جامد

لم تُصمم المعايير الدولية للتقارير المالية لفرض حلول موحدة على واقع غير متجانس، بل لتوفير إطار مهني مرن لإدارة التعقيد .. ويؤكد معيار IAS 21 أن القياس يتم وفق البيئة الاقتصادية الفعلية، والعرض يمكن توحيده لأغراض التقرير،

مع فصل فروقات الترجمة ضمن حقوق الملكية لا ضمن الأرباح والتجارب الدولية في الاقتصادات المنقسمة نقدياً تؤكد أن تجاهل هذه المرونة يؤدي إلى تقارير مضللة، حتى وإن بدت منسجمة شكليًا مع القرارات التنظيمية.

 

ثامناً نحو مقاربة واقعية لإدارة المرحلة الانتقالية

في ضوء ما سبق، يصبح من الضروري تبني مقاربة تقوم على:-

- الاعتراف بتعدد البيئات النقدية.

- قياس كل نشاط مصرفي وفق واقعه الاقتصادي.

- توحيد العرض دون توحيد قسري للقياس.

- تحييد فروقات الترجمة غير المحققة عند احتساب كفاية رأس المال.

- منح القطاع فترة انتقالية تسمح بإعادة الهيكلة دون صدمات محاسبية.

- تعزيز المتانة المصرفية لا يتحقق عبر توحيد الأرقام، بل عبر تحسين جودة المعلومات التي تُبنى عليها القرارات الرقابية.

 

الخلاصة

في اقتصاد منقسم نقدياً مثل اليمن، تصبح المحاسبة إما أداة لكشف الواقع أو وسيلة لإخفائه .. وتطبيق المعايير الدولية بنهج شكلي قد يمنح انطباعاً زائفاً بالانضباط، لكنه لا يبني قطاعًا مصرفيًا متيناً.

إن احترام عملة القياس، وحماية القيمة الاقتصادية لرأس المال، والإفصاح الشفاف عن فروقات الترجمة، تمثل شروطًا أساسية لأي إصلاح مصرفي حقيقي في المرحلة الانتقالية. فالمتانة المصرفية لا تُبنى على فرض رقم واحد، بل على إدارة التعدد بوعي مهني يراعي الواقع قبل النص.

التعليقات (0)

شارك

شارك هذا المنشور مع الآخرين